السيد محمد حسين فضل الله
182
من وحي القرآن
رقابة الله المطلقة ومسؤولية الإنسان في هذه الآية إيحاء للإنسان بالتطلع الدائم إلى ما يشتمل عليه الكون من قوى كونية تفرض على القلب سيطرتها ، أو في ما يتمثل فيه من ظواهر طبيعية تأخذ بالنفس والفكر في ما يشبه الرهبة والدهشة ، أو ما تتحرك فيه من طاقات متنوعة تثير في روحه الكثير الكثير من المشاعر والأحاسيس التي تربطه بالأشياء ، الأمر الذي يوحي له بالخضوع والعبادة . إن هذه الآية وأمثالها ، توحي للإنسان بدراسة القدرة الخلاقة التي تكمن خلف كل هذه القوى والظواهر ، ليعرف بأن اللَّه هو الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض من هذا كله ، لأنه هو الذي أبدعها وخلقها ، الأمر الذي يجعل كل مشاعر الدهشة والتعظيم والتقديس والضالة ، موجهة إلى اللَّه سبحانه في ذلك كله ، فيشعر الإنسان أمامها بالحرية والثقة الكبيرة ، لأنه يقف أمامها على قدم المساواة في عبوديته للَّه ، بل ربما يشعر بالتفوّق عليها من خلال الفكرة الدينية التي تقول له بأنها مسخرة له في حياته . ولكن هذا الإيحاء لا يتجمد أمام هذه المشاعر ، بل ينطلق ليجعل الإنسان وجها لوجه أمام حركة المسؤولية في حياته الداخلية والخارجية ، باعتباره قوة من قوى الكون العاقلة المسؤولة التي يريدها اللَّه أن تدخل في النظام الكوني الشامل على أساس الإرادة والاختيار المرتبط بعبودية الإنسان للَّه ، فيمتد ذلك في إحساسه بالرقابة الدقيقة لخلفيات الأعمال في داخل النفس ، فلا يكتفي بالنظر إلى ظواهرها . وينطلق الحساب في هذا الاتجاه ، مما يجعل الإنسان منضبطا أمام تكاليفه الشرعية في أعماله التي يتحمل مسئوليتها أمام اللَّه إذا عصى وتمرّد ، فله تعالى الحكم الأول والأخير ، فيغفر